الراغب الأصفهاني

27

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فضل مصاحبة العقلاء قال الزهري : إذا أنكرت عقلك ، فاقدحه بعاقل . وقال : عدوك ذو العقل أبقى عليك ، وأرعى من الوامق « 1 » الأحمق . تبرّم العقلاء بصحبة الجهّال قيل : العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسرّ منه بلين العيش مع السّفهاء وقيل : قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل : لم يبل ذو الجهل الذي * دارت عليه صروف دهره ببليّة أشجى له * من جاهل يزري بقدره « 2 » يمضي حكومته عليه * بجهله وجواز أمره النّهي عن مصاحبة الجاهل قال لقمان : لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال ؛ وانظر إلى السيف ما أحسن منظره . وقال الجاحظ : لا تجالس الحمقى ، فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد ، ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرا ، من الصّلاح . فإنّ الفساد أشد التحاما بالطّباع . وقيل : العاقل يضلّ عقله بمصاحبة الجاهل . استعمال العقل والجهل مع ذويهما قيل : العاقل يعامل الإنسان على خليقته ، ويجاري الزمان على طريقته : فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم * وإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمق « 3 » وقال آخر : أحامقه حتّى يقال سجيّة * ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله « 4 » ذمّ عاقل متجاهل قيل : عظمت المئونة « 5 » في عاقل متجاهل ، وجاهل متعاقل . وددت أني مثلك في ظنّك ، وأن أعدائي مثلك في الحقيقة . قال المتنبّي : ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل * يرى النّاس ضلالا وليس بمهتد

--> ( 1 ) الوامق : المحب الودود . ( 2 ) البليّة : البلوى ، المصيبة - أزرى يزري بقدره : استهان به وحقره . ( 3 ) الأكيس ( صيغة أفعل التفضيل ) : أكثر كياسة ، والكياسة الفطنة والظرف . ( 4 ) السجيّة : الطبيعة . ( 5 ) المئونة والمئونة : الثقل والشدّة .